السبت، 18 أبريل، 2009

تخصص المكتبات بين العلوم الإنسانية والتطبيقية


 د. سوسن طه ضليمي - جامعة الملك عبدالعزيز
المدينة /السبت, 7 فبراير 2009
http://al-madina.com/reader_forum

ظهر تخصص المكتبات في اواخر القرن التاسع عشر وأخذ يتطور وينمو نموا مطردا خلال مسيرته، وأصبح علما يرتبط بشتى أنواع المعرفة الإنسانية وحصل بذلك على أهم تسمياته في ذلك الوقت وهو «علم الببليوجرافيا». اعتمد هذا العلم في بدء ظهوره على التجارب التي مرت بها العلوم الأخرى من حيث تطبيق الأساليب العلمية، وبخاصة في مجالات الإدارة والتنظيم والخدمات. ولما كانت أساس مهنة المكتبات تعتمد على وحدة التطبيق، فقد أصبح للعلم قواعد مقننة دقيقة، يرتكز فيها على أسس ونظريات راسخة، تهدف في مجموعها إلى تيسير الحصول على المعرفة الإنسانية وبثها بين أفراد المجتمع بعد تجميعها وتوثيقها وحفظها ومن ثم استرجاعها. كان من ابرز الأسماء في ترسيخ هذا العلم ملفل لويس ديوي الذي ابتكر نظام تصنيفه المعروف باسم تصنيف ديوي العشري ، والذي يعد أول نظام تصنيف لمصادر المعرفة الإنسانية بالمعنى الحديث وأكثرها شهرة في نفس الوقت، وحسب ذلك التصنيف فقد تم إدراج علم المكتبات ضمن المعارف العامة والعلوم الإنسانية ، وقد أثار هذا التصنيف بعد ذلك جدلا كبيرا بين المتخصصين خاصة بعد دمج علم المكتبات بعلم المعلومات في مطلع العقد السادس من القرن الماضي ، إذ رأى المتخصصون بأن نواة هذا العلم تبدأ وتنتهي بالتعامل مع المستفيدين، بينما تركز العلوم الإنسانية على الدراسات المتعلقة بالنفس والجمال والأخلاق والدين وما شابه ذلك . وقد تم تأكيد تلك النتيجة في الستينيات عندما ظهرت دراسات المستفيدين (User>s Studies) باعتبار علم المكتبات والمعلومات كأحد مجالات العلوم الاجتماعية، بتركيزه على أهمية دراسة الاحتياجات والاستخدام لمصادر وخدمات المعلومات، ومعرفة سلوك المستفيدين في تحقيق تلك الاحتياجات ، والتحقق من مدى رضا الفئات المختلفة من المستفيدين في الحصول على الاحتياجات المعلوماتية. وقد مر مجتمع المعلومات العالمي بعدة تطورات، تميزت كل مرحلة من مراحل تطوره بنوع من أنواع التكنولوجيا التي استغلت كأدوات من أجل تطوير العلم، بدأت بتحسيب البيانات الببليوجرافية ( إدخالها إلى الحاسوب) لمصادر المعلومات، ثم أعقب ذلك اختزان النصوص الكاملة، وأخيرا ظهرت النظم الخبيرة التي أعطت إمكانيات الحصول على جهاز كمبيوتر يضاهي الذكاء البشري في تجاوبه مع المستفيدين، وقد قام المشتغلون بالحاسبات بتقديم هذه التكنولوجيا لمساندة أمناء المكتبات من أجل تقليل الوقت والجهد والتكلفة. وشهد مجال التخصص كذلك تطورا آخر بأن أصبحت هناك مراجع مختزنة على أقراص مليزرة (CD-ROMS) ثم اختزان هذه المراجع في قواعد معلومات يتم الاتصال بها عبر شبكة الإنترنت بواسطة الخط المباشر، وقد أدى هذا التطور إلى تحول مؤسسات المعلومات لمنظمات أعمال الكترونية قائمة على خدمات شبكة الإنترنت، وقد ساعد ذلك التطور في إتاحة الإنتاج الفكري للباحثين والعلماء عالميا ، وظهور منتجات حديثة في التخصص كالمكتبات الرقمية .ولمراجعة الوضع الراهن للعلم في أقسامه الأكاديمية في المملكة العربية السعودية، قامت العديد من أقسام المكتبات بتغيير مسمياتها العلمية، بل قام البعض منها بتغيير هويتها المنبثقة من العلوم الإنسانية والاجتماعية إلى العلوم البحتة والتطبيقية، وبناء على ذلك قام قسم (علم المعلومات) بجامعة أم القرى بتطوير الخطة الدراسية للقسم وقد صدر قرار مجلس التعليم العالي بتاريخ 26 / 2 / 1426هـ بتغيير مسمى القسم من قسم (المكتبات والمعلومات) ليصبح قسم (علم المعلومات)، وقد أدرج قسم ( دراسات المعلومات) بجامعة الإمام محمد بن سعود وهو من الأقسام الحديثة في المجال حيث تم إنشاؤه عام 1428هـ تحت كلية علوم الحاسب والمعلومات،. كما صدر مؤخرا بجامعة الملك عبد العزيز قرار يقضي بتغيير مسمى قسم (المكتبات والمعلومات) إلى قسم (علم المعلومات) في يوم 1محرم 1430، ليخرج بذلك التخصص عن دائرة علم المكتبات ممهدا لانتقاله من حيز الدراسات الاجتماعية والإنسانية إلى حيز دراسات العلوم البحتة والتطبيقية.. ويبقى السؤال هنا 000 ما هو مستقبل هذه الأقسام في ظل هذه التغييرات وواقع تلك الأقسام الفعلي من حيث مؤهلات العاملين به من أعضاء هيئة التدريس بخلفياتهم الأدبية حيث إن معظمهم (من خريجين/خريجات) تخرج من كليات الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية من عدة جامعات مختلفة في العالم ؟ وما هي المظلة المعرفية التي سوف تنتمي إليها هذه الأقسام مستقبلا ؟ وهل يمكن التخلي عن «تخصص المكتبات» ضمن مجالها الأكبر»العلوم الاجتماعية»؟ وهل تعتبر تلك الخطوة هي البداية لإزاحة التخصص إلى قطاعات معرفية أخرى كالعلوم البحتة والتطبيقية تحت مجالات تقنية المعلومات ؟ إذا كان الأمر كذلك فالسؤال الذي يطرح نفسه هو : كيف سينظر للمتخصصين بخلفيات العلوم الاجتماعية من خلال المظلة الجديدة التي ارتضوها لأنفسهم ؟ وهل سوف تتساوى قيمة العلم والعلماء في الكفتين ؟ وهل يعني هذا أن ندير وجوهنا عن جميع الباحثين والعلماء الذين عملوا للعلم (المكتبات والمعلومات) عبر التاريخ ؟ لسنا هنا بصدد الدعوة لعدم الاكتراث بالتقنية والحاسبات والبرامج المتطورة والعالم الافتراضي، ولكننا مع الأخذ تماما بالتوجه التقني، والتأكيد بشدة على ضرورة الاحتفاظ بهوية «علم المكتبات» تحت مظلة « العلوم الاجتماعية» المدرجة ضمن تخصصات « كلية الآداب والعلوم الإنسانية» .

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق